مُحِبٌّ لِلكَلَامِ، مُتَثَاقِلٌ عَنِ الاِسْتِمَاعِ
لماذا يفضل كثير من الناس الكلام ولا يحبون الاستماع؟
فتوى — بولوكمبا
في الأصل، الإنسان كائن يحب السرد والحكاية. غير أن لكل إنسان أسلوبه الخاص في التعبير عن أفكاره وتجاربـه ومشاعره. فهناك من يطيل في الحديث، وهناك من يقتصر على القليل منه، بل إن بعضهم يختار الصمت، خاصة إذا كان الكلام قد يجرّ ضررًا عليه أو على غيره.
هذه الظاهرة جديرة بالتأمل. فكثير من الناس يرغبون في أن يُستمع إليهم، لكنهم لا يحبون الاستماع إلى غيرهم. ويظهر ذلك في اللقاءات المباشرة أو عبر الهاتف وغيرها من وسائل التواصل. فالحوار الذي يفترض أن يكون تبادليًا يتحول إلى حديث أحادي، ويصبح الطرف الآخر مجرد “مستمع دائم”. وهذا السلوك يقلب القاعدة الطبيعية “أذنان وفم واحد” إلى “فمان وأذن واحدة”، حيث يكثر الكلام ويقل الاستماع.
والأصل أن يكون الاستماع أكثر من الكلام. فالاستماع ليس مجرد سماع الأصوات، بل هو فرصة للتأمل في المعاني. ومن يُحسن الاستماع يفهم ما يسمع فهمًا عميقًا، ويتأمله جيدًا قبل أن يصدر حكمًا أو يتخذ قرارًا. كما أن الاستماع يعدّ نوعًا من احترام المتحدث، مما يحقق التفاهم والتواصل على نحوٍ سليم.
وغالبًا ما يكون سبب الإعراض عن الاستماع شعور الإنسان بتفوقه على غيره، فيظن أن كلامه أولى بالاهتمام. وفي الاجتماعات مثلًا، نجد من يفقد تركيزه بعد إبداء رأيه، فينشغل بهاتفه أو يتحدث مع من بجانبه، وهذا دليل على ضعف الأدب في احترام المتحدث. وحتى إن كان الكلام مفهومًا، فإن إظهار الاهتمام بالاستماع يبقى مهمًا لمراعاة مشاعر المتكلم.
ومن الناس من يحب تقديم النصائح أو الانتقادات، لكنه يضيق بها إذا وُجِّهت إليه. كما أن بعضهم يسارع في الرد قبل أن يُتمّ الآخر كلامه، مع أن المتحدث قد يكون في حاجة إلى من يصغي إليه، وربما كان مجرد الاستماع جزءًا من الحل الذي يرجوه.
وهذه “المشكلة في الاستماع” قد تصيب حتى أهل العلم. فقد يفضل العالم الكلام والإرشاد على الاستماع، وقد يرغب الأكاديمي في أن يكون متحدثًا لا مستمعًا. بل وقد يشعر بعض الوعاظ بالضيق عند الجلوس مستمعين لغيرهم. كما أن التعصب للرأي قد يمنع صاحبه من الاستماع إلى الآراء المخالفة.
والحقيقة أن العلم إذا سُمع مرة بعد مرة ازداد رسوخًا، وقد يفتح آفاقًا جديدة. وقد قرن القرآن الكريم بين الأمر بالتقوى (اتقوا) والأمر بالاستماع (اسمعوا) في مواضع عدة، تأكيدًا على أهمية الاستماع، الذي لا يقتصر على السماع فحسب، بل يتضمن الامتثال والعمل.
وقد أرشد النبي ﷺ إلى أن يكون الإنسان مستمعًا جيدًا (مستمع) إن لم يستطع أن يكون طالب علم (متعلم)، فضلًا عن كونه عالمًا (عالم). وقد اعتاد كثير من العلماء حضور مجالس العلم التي يلقيها من هم أصغر منهم سنًا، طلبًا للاستماع. وهذا يدل على أن الاستماع علامة على التواضع وسمة من سمات أهل العلم.
وفي الختام، فإن الكلام والاستماع وجهان لا ينفصلان في حياة الإنسان. فهناك وقت للكلام ووقت للاستماع. وكلما أكثر الإنسان من الاستماع، ازداد علمه، وحَسُنَت كلماته. نسأل الله أن يجعل شهر رمضان فرصة لتدريب أنفسنا على حسن الاستماع، خاصة لما فيه نفع وفائدة.
الكاتب: Syahrullah (محاضر في كلية أصول الدين)
مصدر الصورة: الذكاء الاصطناعي
نُشر هذا المقال في صحيفة فجر بتاريخ 2 مايو 2021 بعنوان: “محب للكلام، زاهد في الاستماع”.
