التصوف الأخضر وإزالة الغابات في إندونيسيا
التصوف الأخضر وإزالة الغابات في إندونيسيا

 

جاكرتا – غالبًا ما تُناقش إزالة الغابات في إندونيسيا بلغة الأرقام: مساحة الغابات المفقودة، وانقراض الأنواع، والخسائر الاقتصادية. هذه اللغة مهمة، لكنها غير كافية.

هناك بُعد غالبًا ما يتم تجاهله، وهو البعد الروحي الداخلي للإنسان. من منظور التصوف الأخضر، فإن تدمير الغابات ليس مجرد فشل في السياسات أو الإدارة، بل هو أزمة روحية تدل على قلوب جفّت رغم وفرة الموارد.

في التراث الإسلامي، يُفهم الكون على أنه آيات كونية حيّة. وقد وصف ابن عربي الطبيعة بأنها “نَفَس الرحمن”، بينما اعتبرها إخوان الصفا توأمًا للإنسان.

الغابات، بصمتها ونظامها، هي فضاءات للذكر الكوني. لا تصرخ، لكنها تشهد. لا تطلب، لكنها تمنح الحياة. وعندما تُقطع الغابات بجشع، لا ينقطع فقط النظام البيئي، بل العلاقة المقدسة بين الإنسان والله والكون.

تتمتع إندونيسيا بغابات غنية بيئيًا وروحيًا. غابات كاليمانتان التي كانت تُعرف برئة العالم أصبحت مجزأة، وغابات بابوا القديمة مهددة، ونظام ليوزر في سومطرة يتآكل، وكذلك غابات سولاويزي.

في التصوف الأخضر، هذه الغابات ليست موارد اقتصادية، بل أمانة إلهية تتطلب التواضع.

علّمنا التصوف أن الفساد الخارجي نابع من فساد داخلي. وأكد الغزالي أهمية تزكية النفس. فالشهوة غير المنضبطة تتحول إلى جشع مقنّع بالعقلانية.

وفي إزالة الغابات، يظهر هذا الجشع في خطاب التنمية الذي يفصل الربح عن البركة، ويحوّل الطبيعة إلى سلعة.

يرفض التصوف اعتبار الطبيعة جمادًا؛ فكل الوجود عند ابن عربي تجلٍّ إلهي. وتدمير الغابات هو انتهاك أخلاقي وروحي. ويذكّرنا جلال الدين الرومي بأن الطبيعة تخاطب القلوب التي تسمع.

وعندما يفقد الإنسان القدرة على السماع، يفقد ذاته أيضًا. إن الصمت تجاه تدمير الطبيعة هو علامة على قلب مغلق.

يضع الإسلام الإنسان كخليفة، لا كمالك مطلق. لكن إزالة الغابات تعكس تحولًا من الحفظ إلى الاستغلال.

في الرؤية الصوفية، هذا فقدان للتواضع الكوني. والنتائج واضحة: فيضانات، وانهيارات، وأزمات بيئية.

التصوف الأخضر ليس مجرد فكرة، بل إطار عملي. يقوم على خمسة أسس: تزكية النفس البيئية، والتواضع في الحوكمة، والعبادة البيئية، والحكمة المحلية، والاقتصاد القائم على البركة.

التوبة هنا هي توبة بيئية، أي إصلاح العلاقة مع الأرض. وهي تتطلب تحولًا من الهيمنة إلى الرعاية.

تمتلك إندونيسيا إمكانات كبيرة، لكنها تحتاج إلى شجاعة أخلاقية. فالتقنية بلا أخلاق مؤذية، والنمو بلا معنى فارغ.

في النهاية، لا تُشفى الغابات إلا بقلوب حية. وعندما تعود القلوب إلى الله، يصبح حفظ الغابات عبادة وسلامًا.

الكاتب: بامبانغ إيراوان (أستاذ بكلية أصول الدين)
مصدر الصورة: أنتارا فوتو / رايسان الفارسي

نُشر هذا المقال على موقع detiknews تحت عنوان:
"Green Sufisme dan Deforestasi di Indonesia" https://news.detik.com/kolom/d-8320844/green-sufisme-dan-deforestasi-di-indonesia.