الأيديولوجيا المفقودة: تآكل المثالية في قبضة البقائية
على الورق، تُعَدّ إندونيسيا ساحةً واسعةً للتنافس الأيديولوجي. فالأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني تنشأ بهويات واضحة: قومية، ودينية، وشعبية، بل وحتى تقدمية. غير أنّ الواقع يكشف عن وجود «أيديولوجيا غير مكتوبة» تبدو أكثر حضورًا وتأثيرًا من غيرها، وتتجاوز الحدود الفكرية والتنظيمية كافة، وهي: البقائية.
ولا يُقصد بالبقائية هنا البقاء الجسدي أو النجاة في الظروف القاسية، بل استراتيجية تهدف إلى الحفاظ على الوجود السياسي والاقتصادي والمؤسسي في ظل التحولات المستمرة في موازين القوة والنفوذ. إنها ليست أيديولوجيا مُعلنة في البيانات والبرامج، وإنما تتجلى بوضوح في السلوك والممارسة.
عندما تصبح الأيديولوجيا أداةً لا بوصلةً
إذا نظرنا إلى الماضي، نجد أن الحال لم يكن كذلك دائمًا. ففي عهد النظام القديم (الأوردي لاما)، كانت المنافسة الأيديولوجية شديدة الوضوح؛ إذ واجهت القومية والشيوعية والدين بعضها بعضًا بصورة مباشرة. وشهدت البلاد نقاشات حادة، بل وصراعات أحيانًا، لأن كل طرف كان يحمل رؤية كبرى لمستقبل الأمة ويسعى إلى تحقيقها.
ومع دخول مرحلة النظام الجديد (الأوردي بارو)، جرى تبسيط المجال الأيديولوجي وإخضاعه لرقابة صارمة. ومع ذلك، ظلّت هناك محاولات للحفاظ على الأطر القيمية المرجعية، وبقيت الأيديولوجيا حاضرة بوصفها مرجعًا فكريًا، وإن لم يعد النقاش الحر حولها ممكنًا كما كان من قبل.
ومع بداية عصر الإصلاح (ريفورماسي)، عادت الروح المثالية إلى الواجهة. فقد أتاحت الحرية السياسية المجال لعودة الأفكار المختلفة إلى الفضاء العام، وتنافست الأحزاب والمنظمات في تقديم رؤى ومشروعات اعتُبرت قادرة على تحقيق مصلحة الأمة والدولة.
غير أن العقدين الأخيرين شهدا تحولًا متزايدًا. فالتنافس الأيديولوجي الذي كان يمثل أساس النضال السياسي أخذ يتراجع تدريجيًا، بينما برزت القدرة على التكيف، وبناء التحالفات، والاستمرار داخل النظام باعتبارها القيمة الأهم. لم تختفِ الأيديولوجيا تمامًا، لكنها فقدت كثيرًا من قدرتها على توجيه السلوك وربط الأتباع بالمبادئ التي ترفعها.
البقائية ومصالح الجماعات
تبدو هذه الأزمة الأيديولوجية مقلقة للغاية، لأنها قد تحوّل التنافس السياسي إلى مجرد صراع من أجل البقاء وتحقيق المصالح الخاصة. ففي المراحل الأولى من نشأتها، حملت كثير من الأحزاب والمنظمات في إندونيسيا قدرًا كبيرًا من المثالية. فقد انطلقت من أفكار كبرى، مثل العدالة الاجتماعية، والدولة ذات المرجعية الدينية، والقومية الشاملة، والديمقراطية المتحضرة.
لكن المثالية اصطدمت مع مرور الزمن بواقع السلطة ومتطلباتها. فطبيعة النظام السياسي التنافسي، وارتفاع التكاليف التنظيمية والسياسية، والضغوط المستمرة للحفاظ على الحضور والتأثير، دفعت العديد من المؤسسات إلى التكيف مع الواقع الجديد. وهنا بدأت البقائية تحل محل المثالية.
فبدلًا من التمسك الصارم بالخطوط الأيديولوجية، أصبح كثير من الفاعلين السياسيين يفضلون المرونة. وتحولت التحالفات التي كانت تبدو مستحيلة في الماضي إلى أمر اعتيادي. كما أن الخطابات التي كانت تُدافع عنها الأحزاب والمنظمات بشدة يمكن أن تتغير خلال دورة سياسية واحدة. وأصبحت المبادئ أكثر سيولة، لتحل محلها الحاجة إلى البقاء والاستمرار.
وفي معناها الأعمق، لا تتعلق البقائية بمجرد البقاء، بل بمن يستحق أن يُحافَظ على بقائه. وهنا تكمن المشكلة الأساسية؛ إذ إن الحفاظ على وجود المؤسسة كثيرًا ما يعني تقديم مصالح الجماعة على المصلحة العامة.
فعندما تجد الأحزاب أو المنظمات نفسها أمام خيارين: الحفاظ على المبادئ خدمةً للمجتمع، أو الحفاظ على مواقعها واستمراريتها التنظيمية، فإنها غالبًا ما تختار الخيار الثاني. وتتحول السلطة من وسيلة لخدمة المواطنين إلى أداة لضمان بقاء المؤسسة نفسها. وهكذا يحدث انتقال تدريجي لكنه بالغ الأثر: من «النضال من أجل المجتمع» إلى «النضال من أجل الاستمرار». وفي مثل هذه الحالة، لا يعود المواطن هو الغاية الأساسية، بل يصبح جزءًا من حسابات السياسة وموازينها.
تحالفات بلا حدود ومبادئ بلا جذور
تُعد ظاهرة التحالفات السياسية في إندونيسيا من أوضح الأمثلة على ذلك. فالأحزاب ذات الخلفية القومية والأحزاب ذات المرجعية الدينية، التي يُفترض أن تفصل بينها اختلافات فكرية جوهرية، تستطيع بسهولة أن تقف في صف واحد داخل منظومة الحكم.
ويرى بعض المراقبين في ذلك علامة على النضج السياسي، بينما يعتبره آخرون دليلًا على أن الأيديولوجيا لم تعد البوصلة الأساسية للعمل السياسي. فما أصبح أكثر أهمية هو الوصول إلى السلطة والموارد والنفوذ.
وفقًا لمنطق البقائية، فإن البقاء داخل النظام أهم من الحفاظ على مسافة مبدئية منه؛ لأن الخروج من النظام يعني فقدان التأثير، وفي السياسة يُعَدّ فقدان التأثير شكلًا من أشكال الموت السياسي.
إن الاختلافات الأيديولوجية التي كانت تُعَدّ يومًا ما قضايا مبدئية فقدت كثيرًا من أهميتها أمام ضرورات البقاء. فالقومية والدين، اللذان يفترض أن يكونا أساسًا للقيم والمبادئ، أصبحا في كثير من الأحيان أدوات للتعبئة والحشد أكثر من كونهما حدودًا أخلاقية موجِّهة للسلوك. وبعبارة أخرى، فإن من يرفع شعار القومية ومن يرفع شعار الدين يعملان في أحيان كثيرة وفق المنطق ذاته: البقائية البراغماتية. فتبدو الاختلافات الأيديولوجية شكلية، بينما تتقارب الممارسات الفعلية.
هل هذا أمر حتمي؟
يبقى السؤال المطروح: هل لا تزال المثالية تملك مكانًا في السياسة المعاصرة؟ وهل يُعد هذا الواقع أمرًا لا مفر منه؟
إن الإجابة ليست سهلة. فمن جهة، تتطلب الأنظمة السياسية قدرًا من التسويات والتنازلات، ولا تستطيع أي مؤسسة أن تظل جامدة تمامًا دون أن تخاطر بالتهميش أو الإقصاء. ومن جهة أخرى، فإن السياسة من دون مثالية تفقد بوصلتها الأخلاقية.
قد تكون البقائية ضرورية للاستمرار، لكن عندما تتحول إلى المنطق الوحيد الحاكم، فإنها تُفرغ العمل السياسي من معناه الحقيقي. وعندها تصبح السياسة مجرد صراع على المواقع والمكاسب، لا وسيلة لتحقيق رؤى كبرى أو خدمة الصالح العام.
قد يرى البعض أن هذا الوضع يمثل واقع السياسة الحديثة، وأن البقائية ليست سوى تعبير عن الواقعية السياسية. غير أن السؤال الأهم ليس: «هل البقائية ضرورية؟» بل: «إلى أي مدى أصبحت مهيمنة؟». فعندما يصبح البقاء هو الهدف الأساسي، يدور النظام السياسي بأكمله حول هذا الهدف، وتتحول المثالية إلى مجرد زينة خطابية.
ومن هنا تصبح البقائية المنطق المهيمن على الأحزاب والمنظمات. فهي لا تتحرك فقط للدفاع عن القيم، بل لضمان استمرار وجودها. وفي كثير من الأحيان، لا تُتخذ القرارات بناءً على ما هو أصلح للمجتمع، بل على ما هو أكثر أمانًا لبقاء المؤسسة.
استعادة معنى النضال
قد لا يكون بالإمكان التخلص من البقائية في الأنظمة السياسية المعقدة، لكنها لا ينبغي أن تلغي المثالية. فالتحدي الحقيقي يكمن في إيجاد توازن بين ضرورات البقاء ومتطلبات المبادئ.
إن الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني بحاجة إلى إعادة تعريف الحدود الفاصلة بين التكيف المشروع والتخلي عن المبادئ. ومن دون هذا التوازن، فإنها تخاطر بفقدان شرعيتها الأخلاقية.
وفي النهاية، فإن الوجود من دون غاية ليس سوى استمرار فارغ من المعنى، كما أن السياسة من دون مثالية ليست إلا إدارةً للمصالح، لا مشروعًا لبناء المستقبل.
الكاتب: محمد عزّ الإسلام النَّجمي
محاضر بكلية أصول الدين، جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا
مصدر الصورة: الذكاء الاصطناعي
نُشر هذا المقال لأول مرة في موقع Kumparan.com بتاريخ 19 أبريل 2026 تحت عنوان: «الأيديولوجيا المفقودة: تآكل المثالية في قبضة البقائية».
