Penyirep Gemuruh: مرونة الفقه، والرؤية العلمية، والتقليد الفكري للشيخ عبد الوهاب حسب الله
يُعَدّ كتاب Penyirep Gemuruh من مؤلفات الشيخ عبد الوهاب حسب الله، وقد أُلِّف سنة 1343هـ/1924م. ويبدو الكتاب، للوهلة الأولى، أنه يتناول قضايا تتعلق بجهود القائمين على إدارة مسجد جامع بينيليه في سورابايا لصيانته وتطويره. غير أن القراءة المتعمقة تكشف عن قضايا أوسع بكثير، تمتد من تاريخ المسجد وديناميات المجتمع إلى اختلاف آراء العلماء، ومناهج استنباط الأحكام الشرعية، وكيفية قراءة أحد العلماء لاحتياجات عصره عند التعامل مع المشكلات الواقعية.
وبناءً على ذلك، لا يصح أن يُقرأ كتاب Penyirep Gemuruh باعتباره مجرد مؤلَّف يجيب عن مسألة فقهية واحدة. بل إنه يقدم صورة عن التفاعل الفكري للشيخ عبد الوهاب حسب الله مع القضايا الدينية الواقعية داخل المجتمع. فمسألة تطوير المسجد تقود القارئ في نهاية المطاف إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف يعمل الفقه الإسلامي عندما يواجه احتياجات المجتمع وتقاليده وتاريخ مكان معين واختلاف آراء العلماء؟
ويمكن قراءة Penyirep Gemuruh بوصفه وثيقة فكرية تُظهر كيفية الجمع بين النصوص الدينية والواقع الاجتماعي في فكر الشيخ عبد الوهاب حسب الله. كما يكشف الكتاب عن كيفية تعامل التراث الفقهي مع احتياجات المجتمع الملموسة، وإدارة الاختلافات العلمية، وكيفية اتخاذ العالم موقفه بين النص والتراث والاحتياجات العملية وتحقيق المصلحة العامة.
الفقه السياقي وجدلية المصلحة في كتاب Penyirep Gemuruh
يتعلق معظم ما يناقشه كتاب Penyirep Gemuruh بالأحكام الشرعية الخاصة بصيانة المسجد وتطويره. فصيانة المسجد لا تعني إصلاح المبنى المتضرر فحسب، بل تشمل أيضًا توسيعه عندما لا تعود مساحته الحالية كافية لاستيعاب المصلين، ولا سيما عند إقامة صلاة الجمعة.
وتزداد المسألة تعقيدًا عندما تمس خطة التوسعة منطقة تضم مقابر قديمة داخل المسجد أو في محيطه. وهذا ما حدث في مسجد بينيليه بمدينة سورابايا. فقد أثارت خطة توسيع المسجد اختلافًا في الآراء بين المصلين والشخصيات الدينية المحلية. وهكذا تحولت مسألة بدت بسيطة في البداية إلى نقاش فقهي يجمع بين مصلحتين: الحاجة إلى توسيع مكان العبادة وضرورة احترام حرمة الموتى.
وعُرضت المسألة بعد ذلك على مجلس تشاوري شارك فيه عدد من العلماء. ومن بين العلماء المذكورين في سياق هذا النقاش حضرة الشيخ محمد هاشم أشعري، والشيخ بصري سنسوري، والشيخ فقيه ماسومامبانغ. ويكشف الاختلاف الواضح في وجهات نظرهم، ولا سيما بين الشيخ هاشم أشعري والشيخ فقيه ماسومامبانغ، عن مدى تعقيد المسألة.
وقد أتاح الشيخ هاشم مجالًا للجواز مع مراعاة مفهوم الحاجة (الحاجة)، أي الاحتياج الذي يستدعي النظر في الحكم الشرعي. أما الشيخ فقيه، فقد ركّز على مبدأ صيانة حرمة المتوفى، الذي يمكن التعبير عنه بمفهوم حفظ الحرمة للميت. وينطلق الموقفان من التراث العلمي الإسلامي نفسه، لكنهما يختلفان في تحديد الجوانب التي ينبغي أن تحظى بالأولوية عند اتخاذ القرار الشرعي.
وفي خضم هذا الاختلاف، أظهر الشيخ عبد الوهاب حسب الله أسلوبًا مميزًا في التفكير. فلم ينظر إلى المسألة بمنطق ثنائي جامد يقوم على الأبيض والأسود، بل أخذ في الاعتبار احتياجات المجتمع الفعلية والآثار المحتملة لكل قرار. فإذا لم يُوسَّع المسجد رغم عدم كفاية مساحته لاستيعاب المصلين، فقد يؤدي ذلك إلى وقوع مضرّة أكبر.
وهنا يظهر الفقه بوصفه علمًا يتعامل مباشرة مع الحياة اليومية. فالنصوص الدينية وآراء العلماء تظل أساسًا للاستدلال، غير أن تطبيقها يتطلب القدرة على فهم الظروف المحيطة بالمسألة. ولا يتوقف الفقه عند السؤال عن الحكم الشرعي فحسب، بل ينتقل إلى سؤال أكثر ارتباطًا بالسياق: كيف يمكن تطبيق ذلك الحكم في الواقع مع الحفاظ على مبادئ الشريعة الإسلامية؟
ويُظهر هذا المنهج أن الشيخ عبد الوهاب لم يتعامل مع اختلاف الآراء باعتباره طريقًا مسدودًا. بل أصبح الاختلاف الفقهي مجالًا للتشاور والبحث عن الحلول. واستُخدمت أدوات الفقه وأصول الفقه لفهم الاحتياجات، ومراعاة الظروف، وتقدير الآثار المحتملة للقرارات.
أهل الخبرة والتفكير المتجاوز للحدود
من أبرز المقاطع إثارة للاهتمام في كتاب Penyirep Gemuruh ما يتعلق باستفسار منظمة تعمير المساجد، وهي جمعية ارتبط نشاطها بإدارة المساجد في سورابايا خلال عشرينيات القرن العشرين، عن كيفية معرفة وضع المقابر الموجودة حول مسجد بينيليه وأعمارها. وتكتسب هذه المسألة أهميتها لأن عمر المقابر يرتبط بالاعتبارات الشرعية المتعلقة بإمكانية إعادة استخدام المنطقة.
وأوضح الشيخ عبد الوهاب أن معرفة عمر القبر أو الفترة الزمنية التي مضت على إنشائه يمكن أن تتم بطريقتين. أولاهما الرجوع إلى أهل الخبرة، أي الأشخاص الذين يمتلكون الخبرة والمعرفة المتخصصة في شؤون المقابر. وثانيتهما فحص العلامات الموجودة في المقبرة، مثل شواهد القبور وغيرها من الدلائل التي يمكن الاستعانة بها لتقدير عمرها.
ويشير مفهوم أهل الخبرة إلى الأشخاص الذين يمتلكون المعرفة أو التجربة في مجال معين. والمبدأ الذي يظهر هنا بالغ الأهمية؛ فعندما تتعلق المسألة المراد التحقق منها بوقائع محددة، مثل عمر المقابر وحالتها، فإن الوصول إلى تقدير مناسب يتطلب الاستعانة بأشخاص يمتلكون المعرفة ذات الصلة.
لكن المسألة ازدادت تعقيدًا عندما شكك بعض المصلين في موثوقية المعلومات التي يقدمها حارس المقبرة، بسبب اعتقادهم أنه لا يؤدي الصلاة. وهنا تبرز أهمية إجابة الشيخ عبد الوهاب؛ إذ يؤكد المنطق الذي اعتمده أن كفاءة أهل الخبرة ينبغي أن تُقيَّم على أساس الخبرة المرتبطة بالمسألة المطروحة، لا استنادًا فقط إلى اعتبارات أخرى لا تتصل مباشرة بمجال اختصاصهم.
ويمكن توضيح هذا المنطق من خلال المقارنة بمهنة الطب. فعندما يستشير شخص طبيبًا، يكون المعيار الأساسي في قبول التشخيص هو المعرفة الطبية للطبيب وخبرته المهنية. وبالمثل، عندما يُسأل حارس المقبرة عن عمر موقع الدفن، فإن المهم هو معرفته وخبرته المتعلقتان بالمقبرة نفسها.
ويكشف ذلك عن التمييز بين السلطة الدينية والخبرة التخصصية. فالعلماء يمتلكون المرجعية العلمية في تقديم الأحكام والتقديرات الشرعية، بينما يستطيع المتخصصون في مجالات معينة توفير المعلومات الواقعية اللازمة لاتخاذ القرار. ولا يلزم أن تكون هاتان السلطتان متعارضتين؛ بل يمكن أن تصبح القرارات الشرعية أكثر دقة عندما تُدمج الاعتبارات الدينية مع المعلومات الواقعية الموثوقة.
وهذا الجانب هو ما يجعل كتاب Penyirep Gemuruh جديرًا بالقراءة في السياق المعاصر. فقد أظهر الشيخ عبد الوهاب أن معالجة القضايا الدينية قد تتطلب الاستعانة بمعارف تتجاوز نطاق الفقه. ويظل الحكم الشرعي أساسًا معياريًا، لكن تطبيقه يحتاج إلى معلومات واقعية يمكن التحقق منها والاستناد إليها.
وإذا نظرنا إلى العلماء أصحاب الرؤية المستقبلية في سياق عصرهم الحضاري، فإن الشيخ عبد الوهاب يمثل نموذجًا مهمًا لهذه السمة الفكرية. فالرؤية المستقبلية هنا لا تعني التخلي عن التراث، بل تعني القدرة على النظر إلى المشكلات من منظور أوسع مع الاستناد إلى التقليد العلمي الراسخ.
وفي أوائل القرن العشرين، حين لم تكن العلاقة بين المعرفة الدينية والمعرفة الاجتماعية تُناقش على نطاق واسع بالمصطلحات الأكاديمية المستخدمة اليوم، كان هذا النوع من التفكير حاضرًا بالفعل في منهج الاستدلال لدى الشيخ عبد الوهاب. فقد استطاع تحديد الأشخاص المؤهلين لتوضيح حقيقة معينة، ثم توظيف المعلومات التي يقدمونها في عملية الاستدلال الديني.
وهذا ما يجعل فكر الشيخ عبد الوهاب ذا أهمية مستمرة؛ إذ لم يكن جامدًا في مواجهة المشكلات، ولم يفقد في الوقت نفسه مرتكزاته التراثية. فقد اتسم بالمرونة دون التساهل غير المنضبط، والانفتاح دون التفريط في المبادئ، والقدرة على التكيف دون الانقطاع عن الجذور العلمية.
الرؤية العلمية للشيخ عبد الوهاب وسلالة التقليد الفكري لنهضة العلماء
تقود قراءة كتاب Penyirep Gemuruh في نهاية المطاف إلى إدراك حقيقة مهمة، وهي أن الشخصية الفكرية للشيخ عبد الوهاب حسب الله لا يمكن فصلها عن التقليد الفكري الذي تطور لاحقًا داخل منظمة نهضة العلماء (NU). فمنذ نشأتها، لم تكن نهضة العلماء مجرد منظمة دينية، بل كانت أيضًا فضاءً يتيح التفاعل بين التقاليد الإسلامية والتحولات الاجتماعية.
وتظهر هذه السمة في المرونة، والابتعاد عن الجمود، والقدرة على التكيف، والنظر إلى المستقبل. فالمرونة لا تعني التخلي عن المبادئ، كما أن التكيف لا يعني هجر التراث. بل تنبع القدرة على التكيف من التمكن من التراث، إلى جانب الكفاءة في فهم السياق.
ويقدم كتاب Penyirep Gemuruh مثالًا ملموسًا على ذلك. فقد واجه الشيخ عبد الوهاب قضية محلية محددة، تتمثل في توسيع مسجد بينيليه ووجود المقابر القديمة في محيطه. غير أن أسلوبه في معالجة المسألة كشف عن قدرة على التفكير تتجاوز حدود المشكلة المحلية نفسها. فقد جمع بين احتياجات المصلين، وآراء العلماء، وحالة المقابر، والمعلومات المقدمة من أهل الخبرة، والأضرار المحتملة التي قد تنشأ إذا لم تُلبَّ احتياجات المجتمع.
وبذلك، لا يقدم الكتاب إجابة عن مسألة تطوير المسجد فحسب، بل يكشف أيضًا عن منهج في التفكير يستحق الفهم والنقل إلى الأجيال القادمة.
وفي التقليد الفكري لنهضة العلماء، تواصل القدرة على قراءة التغيرات دون فقدان الجذور ظهورها بأشكال مختلفة. ويُظهر تقليد بحث المسائل، والتشاور بين العلماء، والاستناد إلى كتب التراث الإسلامي الكلاسيكي، والانفتاح على تطورات المعرفة، أن الفقه يظل في تفاعل مستمر مع واقع متغير.
وقد جسّد الشيخ عبد الوهاب هذا المبدأ بصورة عملية. فلم ينظر إلى التراث باعتباره قيدًا يحد من التفكير، بل اعتبره رصيدًا يساعد على فهم المشكلات الجديدة. كما لم ينظر إلى التغيير باعتباره تهديدًا ينبغي رفضه دائمًا، بل باعتباره واقعًا يحتاج إلى الفهم والتوجيه.
وهنا تتجلى أهمية كتاب Penyirep Gemuruh بالنسبة إلى جيل نهضة العلماء اليوم. فالتحديات المعاصرة تزداد تعقيدًا، بدءًا من التطورات التكنولوجية والتحولات الاجتماعية، مرورًا بقضايا البيئة والاقتصاد والصحة والتعليم، وصولًا إلى التغيرات في أنماط العلاقات الاجتماعية. ومع ذلك، يظل المبدأ الأساسي كما هو: تتطلب المشكلات الجديدة دراسة جادة، بينما يوفر التراث أساسًا يحول دون فقدان هذه الدراسة لاتجاهها.
ولهذا، لا يكفي تخليد إرث الشيخ عبد الوهاب من خلال تاريخ تأسيس نهضة العلماء أو إسهاماته السياسية والدبلوماسية وحدها. فكتاب Penyirep Gemuruh يكشف عن جانب آخر لا يقل أهمية، وهو التقليد الفكري لعالم استطاع الجمع بين النص والسياق، والمعايير والوقائع، والتراث والتغيير.
وفي نهاية المطاف، لا يقتصر كتاب Penyirep Gemuruh على سرد قصة مسجد بينيليه، بل يقدم صورة عن كيفية قراءة العالم للحياة. فمن خلال مسألة المقابر وتوسيع المسجد، نكتشف فقهًا حيًا، وتشاورًا مثمرًا، وتقديرًا للخبرة التخصصية، وشجاعة في البحث عن الحلول وسط اختلاف الآراء العلمية.
وإذا أردنا فهم الأسباب التي مكّنت التقليد الفكري لنهضة العلماء من الاستمرار عبر التحولات الزمنية، فيمكن العثور على أحد الأجوبة في طريقة تفكير علماء مثل الشيخ عبد الوهاب حسب الله: متجذرون في التراث، لكنهم غير أسرى للماضي؛ ثابتون على المبادئ، لكنهم غير جامدين في التطبيق؛ قادرون على التكيف مع الحفاظ على الاتجاه؛ ومنفتحون على المستقبل دون فقدان الارتباط بالجذور التاريخية.
ولعل هذا هو «الدوي» الحقيقي الذي يمكننا سماعه من كتاب Penyirep Gemuruh: صوت تقليد علمي يعلّمنا أن الفقه ليس مجرد مجموعة من الإجابات، بل هو منهج لفهم الحياة بالعلم والحكمة والمرونة والرؤية المستقبلية. ولذلك، لا يقتصر إرث الشيخ عبد الوهاب على تاريخ تأسيس نهضة العلماء، بل يشمل أيضًا المنهج الفكري الذي تركه للأجيال اللاحقة.
الكاتب: محمد عز الإسلام النجمي (محمد إزّ الإسلام أن النجمي)، محاضر في كلية أصول الدين.
مصدر الصورة: NU Online.
نُشر هذا المقال أصلًا في موقع NU Online بتاريخ 8 أكتوبر 2026، تحت عنوان: «Penyirep Gemuruh: Keluwesan Fikih, Visi Keulamaan, dan Tradisi Intelektual KH Abdul Wahab Chasbullah».
رابط المقال الأصلي:
https://www.nu.or.id/pustaka/penyirep-gemuruh-keluwesan-fikih-visi-keulamaan-dan-tradisi-intelektual-kh-abdul-wahab-chasbullah-Uzz6w
