الطبيعة الحيّة: تأملات في الفلسفة الإسلامية حول كارثة سومطرة
الطبيعة الحيّة: تأملات في الفلسفة الإسلامية حول كارثة سومطرة

لم تكن الغيوم الداكنة التي غطّت مرتفعات آتشيه وسومطرة الشمالية وسومطرة الغربية قبل ثلاثة أسابيع مجرد علامة على موسم الأمطار، بل كانت تعبيرًا عن حزن الطبيعة وخيبة أملها المتراكمة منذ زمن طويل. لقد تحولت دموع السماء إلى فيضانات جارفة وانهيارات أرضية اجتاحت 147,236 منزلًا، و1,600 مرفق عام، و145 طريقًا وجسرًا، و219 مرفقًا صحيًا، و967 مرفقًا تعليميًا، و434 دار عبادة، و290 مبنى ومكتبًا، إضافة إلى 1,059 ضحية (الوكالة الوطنية لإدارة الكوارث).

إن الطين والمياه وجذوع الأشجار المتدفقة من المنابع إلى المصب ترسم مشهدًا مؤلمًا يعكس معاناة الطبيعة بشكل شخصي عميق. فهذه ليست مجرد ظاهرة مناخية، بل تآكل شامل يصل إلى عقول البشر وأرواحهم الجشعة. عندما تحل مزارع زيت النخيل الأحادية محل الغابات الاستوائية التي كانت تحافظ على التوازن، فإن الكون الحيّ لا يقف صامتًا، بل يئنّ ويصرخ، ثم يستعيد ما أُخذ منه بطريقة قاسية عبر الفيضانات والانهيارات التي اجتاحت 52 منطقة.

تُظهر بيانات إزالة الغابات في سومطرة حقيقة صادمة، إذ بلغت المساحة المزالة أكثر من 175,437.7 هكتارًا وفق إحصاءات عام 2025. وقد أدى تحويل الغابات إلى مزارع نخيل إلى إضعاف قدرة الأرض على امتصاص المياه وتثبيت التربة وحماية التنوع الحيوي.

ورغم أن كلاهما أشجار، فإن أشجار الغابات تختلف كثيرًا عن أشجار النخيل في بنيتها وجذورها وتأثيرها على امتصاص المياه. فالغابات تمتلك غطاءً نباتيًا كثيفًا وجذورًا عميقة تصل إلى عشرات الأمتار، مما يساعد على تثبيت التربة وتخزين الكربون. أما أشجار النخيل فجذورها سطحية، مما يجعل التربة أكثر عرضة للتعرية والانهيارات.

كل هكتار يُفقد من الغابات يعني فقدان شبكة معقدة تحمي التربة والنظام البيئي. ومع ذلك، غالبًا ما تقتصر استجاباتنا على حلول تقنية سطحية، دون معالجة الأسباب الجذرية. وهذه هي المعضلة الكبرى: تجاهلنا للأسباب الفكرية التي تدفعنا لاستغلال الطبيعة.

إن نظرتنا للغابات كمصدر اقتصادي فقط تمثل نوعًا من المادية البيئية العمياء. وقد وصف الفلاسفة المسلمون مثل ابن سينا وإخوان الصفا هذا المفهوم بـ"النفس الكلية"، التي تمنح الحياة للكون بأسره.

فالكون في نظرهم كائن حي مترابط، وتدمير البيئة هو جرح في جسده. وما الفيضانات والانهيارات إلا استجابة طبيعية لكائن يعاني من مرض حاد. الطبيعة تحاول مقاومة استغلال الإنسان، كما يستجيب الجسد للألم.

تعلمنا هذه الرؤية أن تدمير الغابات ليس مجرد تخريب مكاني، بل هو إيذاء لروح الكون. والكوارث هي صرخة الطبيعة الأخيرة، وإنذار بأن إهمالنا سيعود علينا بالضرر.

نسأل الله أن تكون هذه الكارثة سببًا في إيقاظ ضمائرنا، وأن ندرك أن الطبيعة تستحق الاحترام، فهي شريك لنا في الوجود، وكلانا تجلٍّ لخلق الله، وعلينا أن نحافظ على التوازن معًا.

 

الكاتبة: أيو ليستاري (محاضِرة بكلية أصول الدين)
مصدر الصورة: كومباس

نُشر هذا المقال على منصة Retizen Republika تحت عنوان:
"Alam Berjiwa: Refleksi Filsafat Islam atas Bencana Sumatra"
retizen.republika.co.id/posts/734280/alam-berjiwa-refleksi-filsafat-islam-atas-bencana-sumatra